عبد الملك الجويني
368
نهاية المطلب في دراية المذهب
1170 - والأعذار الخاصة : كالمرض ، وتمريضِ مريض يعتني به الإنسان ، وفي تركه إضرار . ومنها قيام الإنسان على مالٍ ، لو تُرك ، لضاع ، أو خيف في تركه ضَياعُه . وذكر بعض الأئمة من الأعذار أن يكون مديوناً معسراً ، وقد لا يصدقه مستحق الدين فيحبسه ، فله أن يتخلف لذلك . ومنها أن يكون قد استوجب القصاص ، ولو ظفر به مستحقه ، لقتله ، ولو غيّب وجهه ، رجا أن يعفوَ عنه إذا سكن غليلُه ، فقد جوز الشافعي التخلف بهذا . 1171 - وهذا فيه إشكال عندي ؛ من حيث إن سبب التزام القصاص أكبر الكبائر بعد الردة ، فكيف يستحق أن يخفف عنه ، ويجوَّز له تغييب الوجه عن مستحق القصاص ؟ وهذا غامض ، وإن لم يتخلف عن الجماعة . ولعل السبب فيه تعرّض القصاص للشبهة ؛ فإن مستحق القصاص مندوب إلى العفو في نص كتاب الله عز وجل ، فلا يبعد أن يسوغ لمن عليه القصاص أن يُغيِّب وجهَه إذا كان يرتجي عفواً ، ولسنا نلتزم الآن في كتاب الصلاة البحثَ عن هذه [ المعاصات ] ( 1 ) . وقد سمعت شيخي يذكر فصل القصاص كذلك في كتاب الجمعة ، وكان يحكي عن نص الشافعي جوازَ التخلف عن الجمعة لمن عليه القصاص ، كما ذكرناه ، ولم أر في هذا خلافاً ، والذي ذكرتُه الآن نَقَله بعض المصنفين . ومنشأ هذا الإشكال جواز الامتناع من مستحِق الدم ، فإن ثبت هذا ، لم يخفَ بعده جوازُ ترك الجماعة والجمعة . وأنا بعون الله تعالى أعود في كتاب الجمعة إلى تفصيل المعاذير ، ولعلّي ثَمّ أذكر ما فيه شفاء الغليل . 1172 - ثم مما قد صح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر مُناديه في الليلة
--> ( 1 ) في الأصل ، و ( ت 1 ) المغاغات ، ولم أجد لها معنى ، والمعهود في كلام إمام الحرمين : المعوصات ، والمعاصات بالصاد . فلذا اخترنا ما جاء في ( ت 2 ) على أنها أدنى عندي من ( ت 1 ) ، ومن الأصل . وأما ( ل ) ، فجاءت بتحريف ظاهر : " المغاصات " .